تسجيل الدخول


حديث أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد

الحديث الثامن والعشرون من أحاديث الأربعين النووية

عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع ، فأوصنا . قال : (( أوصيكم بتقوى الله عز وجل ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة )) رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
المفردات : وعظنا : نصحنا وذكرنا .
موعظة : تنويها للتعظيم ، أي موعظة جليلة .
وجلت : خافت .
منها : من أجلها .
ذرفت : سالت بالدموع .
كأنها موعظة مودع : فهموا ذلك من مبالغته صلى الله عليه وسلم في تخويفهم وتحذيرهم ، فظنوا أن ذلك لقرب مفارقته لهم ، فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غير في القول والفعل .
فأوصنا : وصية جامعة كافية .
بتقوى الله : امتثال أوامره ،و اجتناب نواهيه .
والسمع والطاعة : لولاة الأمور ، فيجب الإصغاء إلى كلام ولي الأمر ، ليفهم ويعرف ، وتجب طاعته .
فسيرى اختلافا: في الأقوال والأعمال والاعتقادات .
فعليكم بسنتي : الزموا التمسك بها ، وهي طريقته صلى الله عليه وسلم ، مما أصله من الأحكام الإعتقادية والعملية الواجبة والمندوبة وغيرها .
الراشدين : الذين عرفوا الحق واتبعوه ، والمراد بالخلفاء الراشدين : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .
عضوا : بفتح العين وضمها غلط .
بالنواجذ: أواخر الأضراس .
بدعة : وهي ما أحدث على خلاف أمر الشارع ، ودليله الخاص أو العام .
يستفاد منه :
1-المبالغة في الموعظة ، لما في ذلك من ترقيق القلوب ، فتكون أسرع إلى الإجابة .
2-الاعتماد على القرائن في بعض الأحوال ، لأنهم إنما فهموا توديعه إياهم بإبلاغه في الموعظة أكثر من العادة .
3-أنه ينبغي سؤال الواعظ الزيادة في الوعظ والتخويف والنصح .

4-علم من أعلام النبوة ، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر بما يقع بعده في أمته من كثرة الاختلاف _ ووقع الأمر كذلك .
5-الأمر بتقوى الله والسمع والطاعة ، وفي هذه الوصية سعادة الدنيا والآخرة ، أما التقوى فهي وصية الله للأولين والآخرين ، وأما السمع والطاعة فبهما تنتظم مصالح العباد في معاشهم ، ويستطيعون إظهار دينهم وطاعاتهم .
6-التمسك بالسنة والصبر على ما يصيب المتمسك من المضض في ذلك ، وقد قيل : إن هذا هو المراد بعض النواجذ عليها .
7-أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره كان المصير إلى قول الخليفة أولى .
8-التحذير من ابتداع الأمور التي ليس لها أصل في الشرع ، أما ما كان مبنيا على قواعد الأصول ومردودا إليها . فليس ببدعة ولا ضلالة .


*الشرح : قوله -وعظنا - الوعظ : هو التذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابهبالموعظة ولا يكثر عليهم مخافة السآمة , قوله - وجلت منها القلوب - أي خافت , - وذرفت منها العيون - أي بكت حتى ذرفت دموعها - فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودعٍ فأوصنا - لأن موعظة المودع تكون موعظة بالغة قوية فأوصنا قال - أوصيكم بتقوى الله عزوجل - وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهمأنهم استغلوا هذه الفرصة ليوصيهم النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه خير , قال - أوصيكم بتقوى الله عزوجل - وتقوى الله اتخاذ وقاية من عقابهبفعل أوامره واجتناب نواهيه وهذا حق الله عزوجل - والسمع والطاعة - يعني لولاة الأمور أي اسمعوا ما يقولون وما به يأمرون واجتنبوا ماعنه ينهون , - وإن تأمر عليكم عبد - يعني وإن كان الأميرعبداً فأسمعوا له وأطيعوه , وهذا هو مقتضى عموم الآية - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...-   ]النساء59] .


قوله - فإنه من يعش منكم - أي من تطول حياته فسيرى اختلافاً كثيراً ووقع ذلك كما أخبرالنبي صلى الله عليه وسلم فقد حصل الاختلاف الكثير في زمن الصحابة رضي الله عنهم ثم أمر صلى الله عليه وسلم بأن نلتزم بسنته أي بطريقته وطريقة الخلفاء الراشدينالمهدين والخلفاء الذين خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمته علماً وعبادة ودعوةوعلى رأسهم الخلفاء الأربعة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .


- المهديين - وصف كاشف , لأن كل رشاد فهو مهدي ومعنى المهدينالذين هدوا أي هداهم الله عزوجل لطريق الحق
- عضوا عليهابالنواجذ - وهي أقصى الأضراس وهو كناية عن شدة التمسك بها ثم حذر النبي صلىالله عليه وسلم .
ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم من محدثات الأمور فقال - إياكم - أي أحذركم من محدثات الأمور وهي الأمور وهي ما أحدثفي الدين بلا دليل شرعي وذلك لأنه لما لأمر بلزوم السنة والحذر من البدعة وقال - فإن كل بدعة ضلالة - رواه أبوداود والترمذي وقال حديث حسن صحيح .


*وفي الحديث فوائد منها : حرص النبي صلىالله عليه وسلم على موعظة أصحابه , حيث يأتي بالمواعظ المؤثرة التي توجل لها القلوبوتذرف منها الأعين .


*ومنها : أن الإنسان المودع الذي يريد أن يغادر إخوانه ينبغي له أن يعظهم موعظة تكون ذكرى لهم , موعظة مؤثرةبليغة , لأن المواعظ عند الوداع لا تنسى .


*ومنها : الوصية بتقوى الله عزوجل , فهذه الوصية هي وصية الله في الأولين والآخرين لقوله تعالى - ...وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ...- ]النساء131] .


*ومنها : الوصية بالسمع والطاعةلولاة الأمور وقد أمر الله بذلك في قوله - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... - ]النساء59 [... وهذا الأمر مشروط بأن لا يؤمر بمعصية الله , فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة في معصية الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم - إنما الطاعة في المعروف - ومن هنا نتبين الفائدة في قولهتعالى - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... - ]النساء59] ... حيث لم يعد الفعل عند ذكر طاعة أولياء الأمور بل جعلها تابعة لطاعة الله ورسوله .


*ومن فوائد هذا الحديث : حرص النبي صلى الله عليهوسلم على موعظة أصحابه كما أنه حريص على أن يعظهم أحياناً بتبليغهم الشرع , فهو أيضاً يعظهم مواعظ ترقق القلوب وتؤثر فيها .


*ومنها : أن ينبغي للواعظ أن يأتي بموعظة مؤثرة في الأسلوب وكيفية الإلقاء ولكن بشرط ألا يأتي بأحاديث ضعيفة أو موضوعة , لأن بعض الوعاظ يأتي بالأحاديث الضعيفةوالموضوعة يزعم بأنها تفيد تحيرك القلوب , ولكنها وإن أفادت في هذا تضر , فقد ثبتعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين - .


*ومن فوائد هذا الحديث : أن العادة إذا أراد شخص أن يفارق أصحابه وإخوانه فإنه يعظهم موعظة بليغة , لقوله " كأنها موعظة مودعٍ " .


*ومنها : طلب الوصية من أصحاب العلم .
*ومنها : أن لا وصية أفضل ولا أكمل من الوصية بتقوى الله عزوجلقال تعالى - ... وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ... - ]النساء131] , وقد سبق شرحها , وقد سبق شرحها .


*ومنها : الوصية بالسمع والطاعة لولاة الأمور وإن كانوا عبيداًلقوله صلى الله عليه وسلم - والسمع والطاعة وإن تأمر عليك عبدٌ - لأن السمع والطاعة لهم تنتفي به شرور كثيرة وفوضى عظيمة .


*ومن فوائد الحديث : ظهور آية من آيات الرسول صلىالله عليه وسلم حيث قال -من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً - والذين عاشوا من الصحابة رأوا اختلافاً كثيراً كما يعلم ذلك من التاريخ .


*ومن فوائد الحديث : لزوم التمسك بسنةالرسول عليه الصلاة والسلام لا سيما عند الاختلاف والتفرق ولهذا قال - فعليكم بسنتي- .


*ومنها : أنه ينبغي التسمك الشديد حتى يعض عليها بالنواجذ , لئلا تفلت من الإنسان .


*ومن فوائد الحديث : التحذير من محدثات الأمور , والمراد بها المحدثات في الدين , وأما ما يحدث في الدنيا فينظر فيه إذا كان فيه مصلحة فلا تحذيرمنه ’ أما ما يحصل في الدين فإنه يجب الحذر منه لما فيه التفرق في دين الله ,والتشتت وتضيع الأمة بعضها بعضاً .


*ومن فوائد الحديث : أن كل بدعة ضلالة , وأنه ليس في البدع ما هو مستحسن كما زعمه بعض العلماء ,بل كل البدع ضلالة فمن ظن أن البدعة حسنة فإنها لا تخلو من أحد أمرين : إما أنها ليست بدعة وظنها الناس بدعة , وإما أنها ليست حسنة وظن اهو أنها حسنة , وأما أنتكون بدعة وحسنة فهذا مستحيل بقول النبي صلى الله عليه وسلم -فإن كل بدعة ضلالة - .
  

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كفعالية غير ربحية بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم لذلك فليس لدينا أي مصادر مالية , مع ذلك فإننا نثمن حرصكم على استمرارنا و نستقبل هداياكم و هباتكم عبر الحسابات التالية :

patreon paypal